انتقل إلى المحتوى
مقال 04 · الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية: الثقة قبل الإبهار

أفضل أدوات الذكاء الاصطناعي في الطب ليست الأكثر إبهارًا، بل الأجدر بثقة المريض والطبيب.

أحمد عثامنة5 دقائق للقراءة

قلّما أثار مجال حماسًا للذكاء الاصطناعي كما أثارته الرعاية الصحية، وقلّما احتاج مجال إلى الحذر مثلها. فالفرص حقيقية: يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يساعد في تنظيم المعلومات، وفرز الحالات، وتخفيف العمل الإداري، وإيصال خبرة الأطباء المتخصصين إلى أماكن يندر فيها وجودهم. لكن الخطأ في الطب يقع على الإنسان في أضعف لحظاته، والبيانات الصحية من أكثر البيانات حساسية، والثقة إذا ضاعت يصعب جدًا أن تعود.

لذلك لم يعد السؤال هل سيكون للذكاء الاصطناعي دور في الرعاية الصحية؛ فهو موجود بالفعل. السؤال الحقيقي: أي دور؟ وبأي شروط يحسّن الرعاية بدل أن يعقّدها؟

لماذا يبدو الذكاء الاصطناعي حلًّا مغريًا؟

تتشابه الضغوط على الأنظمة الصحية في معظم دول العالم. فالطلب يرتفع مع تقدم الناس في العمر وانتشار الأمراض المزمنة. ووقت الأطباء محدود، ويذهب جزء كبير منه إلى التوثيق والعمل الإداري. والخدمة ليست متاحة بالقدر نفسه للجميع: بين المدينة والقرية، وبين الأحياء الميسورة والفقيرة، وبين من يعرف كيف يتعامل مع النظام الصحي ومن لا يعرف.

وللمريض مشكلته أيضًا. فعندما يشعر بعَرَض جديد، كثيرًا ما لا يعرف هل يذهب إلى الطوارئ، أم يحجز موعدًا، أم يكفيه أن يراقب حالته في البيت. بعض الناس يؤجلون علاجًا يحتاجونه، وآخرون يذهبون إلى الطوارئ لحالات كان يمكن التعامل معها بطريقة أخرى. وفي الحالتين كلفة على المريض وعلى النظام الصحي.

ومن هنا جاذبية الذكاء الاصطناعي: البرمجيات تتوسع بطريقة لا تستطيعها الخبرة البشرية، والأدوات المصممة جيدًا يمكن أن توجّه وقت الأطباء المحدود إلى من يحتاجه أكثر.

أين يمكن أن يساعد فعلًا؟

هناك أربعة مجالات تبدو واعدة بشكل خاص.

الأول توجيه المريض في الخطوة الأولى. فأدوات تقييم الأعراض يمكن أن تطرح أسئلة منظمة، وتجمع المعلومات الصحية المهمة، وتساعد الشخص على فهم الخطوة المعقولة التالية، من نصائح العناية في البيت إلى طلب رعاية عاجلة. والهدف ليس التشخيص، بل أن يصل الشخص إلى الرعاية المناسبة في وقت أبكر.

الثاني دعم عمل الطبيب. فتلخيص التاريخ المرضي، وتنظيم المعلومات عند الاستقبال، وإعداد مسودات للتقارير يراجعها الطبيب، والتذكير بالإرشادات الطبية ذات الصلة، كلها توفر وقتًا للطبيب دون أن تأخذ القرار منه.

الثالث تسهيل الوصول. فالأدوات المصممة للهاتف وبلغة المريض نفسه تصل إلى من يصعب عليهم الحصول على معلومات صحية أساسية. وفي العالم العربي يمكن لأدوات مصممة منذ البداية للعربية ولهجاتها أن تسد فجوة تركتها منتجات كثيرة صُممت لأسواق أخرى.

الرابع فهم الصورة العامة. فالبيانات المجمعة والمحمية جيدًا تساعد المؤسسات الصحية على فهم أنماط الطلب، والتخطيط لمواردها، والانتباه مبكرًا إلى احتياجات جديدة.

حدود لا يجوز تجاوزها

لكل فرصة من هذه الفرص مخاطر يجب أن يُصمم النظام لتجنبها من البداية، لا أن تُكتشف بعد وقوعها.

فالذكاء الاصطناعي قد يخطئ وهو واثق تمامًا. ولذلك يجب أن تعترف الأداة الصحية بعدم اليقين، وأن تحيل الحالة إلى الطبيب عند الشك. فالنظام الذي يطمئن مريضًا بحالة خطيرة طمأنة كاذبة قد يضر أكثر من غياب أي نظام.

وقد يحمل النموذج انحيازًا. فإذا لم تمثّل بيانات التدريب فئات معينة من الناس تمثيلًا كافيًا، فقد يكون أداؤه أسوأ تحديدًا مع من هم في أمسّ الحاجة إلى خدمة أفضل. ولذلك يجب اختبار الأداة على كل الفئات التي ستخدمها.

والبيانات الصحية شديدة الخصوصية. والنظام المسؤول لا يجمع إلا ما يحتاجه، ويحصل على موافقة واضحة، ويحمي المعلومات بقوة، ويشرح بصراحة كيف يستخدمها.

وأخيرًا، للأنظمة والقوانين دورها. ففي دول كثيرة تُعامَل البرمجيات التي تؤثر في القرار الطبي معاملة الأجهزة الطبية. والالتزام بهذه المتطلبات ليس تعقيدًا إداريًا، بل هو الطريقة التي يتأكد بها المجتمع من أن الأداة آمنة.

سبعة مبادئ لأداة صحية جديرة بالثقة

من هذه الاعتبارات تخرج مبادئ واضحة لمن يعمل في هذا المجال:

الأداة تساعد ولا تحل محل أحد: دورها أن تقوّي العلاقة بين المريض والطبيب، لا أن تستغني عنها.

التجربة قبل الاستخدام: أي ادعاء عن دقة الأداة أو فائدتها يجب أن يستند إلى تقييم صارم في ظروف حقيقية، ويُفضل أن يكون بالتعاون مع مؤسسات طبية.

طريق واضح إلى الطبيب: في كل مسار يجب أن يكون هناك طريق واضح إلى رعاية بشرية، وعند التردد تُقدَّم السلامة.

أقل قدر من البيانات وأعلى حماية لها: الخصوصية قرار في تصميم النظام، لا وثيقة سياسات تُكتب بعده.

لغة المستخدم وظروفه: سهولة الوصول تعني أن تناسب الأداة لغة الناس وثقافتهم وقدراتهم المادية.

الاندماج في النظام الصحي: الأداة التي تعمل بعيدًا عن عمل الطبيب اليومي تزيد التشتت، أما الأداة المتكاملة معه، وفق المعايير والموافقات المطلوبة، فتقلله.

الصدق في وصف الحالة: التمييز بوضوح بين ما هو مقترح، وما هو قيد التجربة، وما ثبتت فائدته.

ليست مسألة تقنية فقط

استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية ليس تحديًا تقنيًا فحسب، بل مسألة مؤسسية أيضًا. فللمستشفيات والوزارات وشركات التأمين والنقابات المهنية دور في تحديد كيف تُعتمد الأدوات، ومن يشرف عليها، ومن يدفع ثمنها. والمبادرات التي تنجح عادة تشرك هذه الجهات مبكرًا، وتنسجم مع خطط الصحة الرقمية في كل بلد، وتخطط للتكامل مع أنظمة المعلومات القائمة.

وقد أثبت الإقبال السريع على منصات الصحة الرقمية الكبيرة في بعض دول المنطقة أن الناس يستخدمون الخدمات الصحية الرقمية حين تكون موثوقة ومفيدة. وهذه التجربة أساس يمكن البناء عليه، ومعيار يجب أن تُقاس به الأدوات الذكية القادمة.

من أين تبدأ؟

لمن يدخل هذا المجال، مؤسسًا كان أم مستثمرًا أم مؤسسة، نقاط البداية واضحة:

ابدأ باستخدام محدد ومهم، فائدته واضحة ومخاطره يمكن التحكم فيها.

اجعل الخبرة الطبية جزءًا من الفريق الأساسي، لا مجرد جهة استشارية.

تواصل مع الجهات التنظيمية مبكرًا لتعرف المسار المطلوب لنوع منتجك.

قِس النتائج التي تهم المريض والطبيب، لا أرقام الاستخدام وحدها.

استعد لوقت طويل، فالتطوير المسؤول في الرعاية الصحية لا يُنجز على عجل.

الثقة هي المقياس

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل الرعاية الصحية أقرب إلى الناس وأكثر كفاءة وأسرع استجابة. لكن أهم أدواته في الطب لن تكون بالضرورة الأكثر إبهارًا، بل الأجدر بالثقة: الأداة التي تعرف حدودها، وتحمي من يستخدمها، وتكسب ثقة الأطباء الذين يعملون معها. والمبادرات التي تلتزم بهذا المعيار من اليوم الأول، لا بعد أن تقع المشكلات، هي الأقرب إلى خدمة صحة الناس فعلًا.

مقال رأي وتحليل، لا يتضمن مقابلات ولا ينقل أخبارًا أو إعلانات.