انتقل إلى المحتوى
مقال 03 · المنصات الرقمية

صنّاع المحتوى ومستقبل الترفيه الرقمي

لم يعد المحتوى نادرًا كما كان، والسؤال اليوم: كيف يبني صانع المحتوى دخلًا يدوم؟

أحمد عثامنة5 دقائق للقراءة

طوال معظم القرن العشرين كان الترفيه شحيحًا. عدد القنوات والاستوديوهات والمسارح محدود، ومجموعة صغيرة من أصحاب القرار تحدد من يصل إلى الجمهور ومن لا يصل. ثم جاء العصر الرقمي فقلب المعادلة؛ اليوم يستطيع كل من يملك هاتفًا تقريبًا أن ينشر أو يؤدي أو يبث إلى العالم. ولم تعد الندرة في وسائل النشر، بل في انتباه الناس. ومن ينجح في جذب هذا الانتباه، أي صانع المحتوى، أصبح محور اقتصاد جديد.

يُروى هذا التحول عادة بلغة الشهرة: مؤثرون بملايين المتابعين، ومقاطع تنتشر في ساعات، ونجومية تأتي فجأة. لكن الجانب الأهم أقل بريقًا: البنية التقنية ونماذج الدخل التي تسمح لصانع محتوى عادي أن يعيش من عمله، والمنصات التي تتنافس على استضافته.

من المشاهدة إلى المشاركة

في البداية نقل الفيديو على الإنترنت منطق التلفزيون إلى وسيلة جديدة: صانع المحتوى ينتج، والجمهور يشاهد. ثم جاء الفيديو القصير فسرّع الإيقاع وسهّل البدء، وتحول ملايين المشاهدين إلى صنّاع محتوى بين حين وآخر.

أما البث المباشر فخطوة أبعد. فهو ليس منتجًا جاهزًا، بل حدث يجري أمامك. الجمهور لا يكتفي بالمشاهدة؛ يعلّق ويتفاعل ويسأل ويرسل الهدايا الافتراضية، وقد ينضم إلى البث نفسه. وصانع المحتوى يرد في اللحظة نفسها. والنتيجة أقرب إلى جلسة بين أصدقاء منها إلى برنامج، والعلاقة بين صانع المحتوى وجمهوره أقرب وأكثر شخصية.

وهذا يغيّر ما يقدّره الجمهور. فجودة التصوير والإخراج أقل أهمية من الحضور والصدق وسرعة الرد. وقد يتفوق صانع محتوى بمعدات بسيطة وعلاقة حقيقية بجمهوره على برنامج أُنتج باحتراف.

كيف يكسب صانع المحتوى؟

يكسب صنّاع المحتوى من مصادر مختلفة، والتوازن بينها يحدد استقرارهم وصحة المنصات التي يعملون عليها.

فحصّة صانع المحتوى من الإعلانات تكافئ كثرة المشاهدات والانتظام، لكنها تميل إلى تركيز الدخل لدى الكبار منهم. والشراكات مع العلامات التجارية قد تكون مربحة، لكنها تعتمد على حجم الانتشار وعلى رغبة العلامات في العمل مع أصوات مستقلة. أما الدعم المباشر من الجمهور، كالاشتراكات والهدايا والمحتوى المدفوع، فيكافئ عمق العلاقة لا حجم الجمهور، ويسمح لصانع محتوى بجمهور صغير لكنه وفيّ أن يحقق دخلًا جيدًا.

والبث المباشر مناسب جدًا للدعم المباشر. ففي أثناء البث يستطيع المتابع أن يعبّر عن تقديره فورًا، ويرى الآخرون هذا الدعم فيصبح جزءًا من المشاركة نفسها. وأنظمة الهدايا المصممة جيدًا تحول حماس الجمهور إلى دخل لصانع المحتوى، وتقوّي في الوقت نفسه شعور الانتماء.

لكن لهذه الأنظمة مسؤولياتها. فعلى المنصة أن تشرح بوضوح كيف يُحسب دخل صانع المحتوى، وأن تصمم خصائص الإنفاق بمسؤولية، وأن تحمي القاصرين والمستخدمين الأكثر عرضة للاستغلال. فاقتصاد صنّاع المحتوى لا يستمر إلا بجمهور يشعر بأنه محترم لا مستغَل.

خصوصية المشهد العربي

أقبلت دول كثيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على منصات التواصل والفيديو بسرعة. فالمجتمعات شابة، والهواتف الذكية منتشرة على نطاق واسع في كثير من دول المنطقة، وللحكاية والحديث مكانة كبيرة في الثقافة العربية. وكل ذلك مهّد الطريق لصنّاع المحتوى.

ومع ذلك، لصناعة المحتوى في المنطقة سماتها الخاصة. أولها اللغة: فالعربية لهجات كثيرة، والدعابة والمرجعيات والأعراف تختلف كثيرًا من بلد إلى آخر، وما ينجح في سوق قد يفشل في أخرى. وتختلف أيضًا وسائل الدفع، وهذا يؤثر في قدرة الجمهور على دعم صنّاع المحتوى مباشرة. وتؤثر نظرة المجتمع إلى الخصوصية والأسرة والسلوك العام في نوع المحتوى والتفاعل المقبول.

وهذه السمات تفتح الباب لمنصات تُصمم لجمهور المنطقة من البداية، منصات تعتبر فهم الثقافة المحلية مهارة أساسية، لا مجرد ترجمة للواجهة.

ما الذي يحق لصانع المحتوى أن ينتظره من المنصة؟

مع تحول صنّاع المحتوى إلى أساس الترفيه الرقمي، أصبح السؤال عن حقوقهم على المنصات سؤالًا ملحًّا. وهناك مبادئ بدأت تتضح بوصفها علامات على علاقة سليمة:

وضوح القواعد: أن يعرف صانع المحتوى كيف يظهر محتواه وكيف يُحسب دخله، وأن يثق بأن القواعد لن تتغير فجأة ودون مبرر.

الإنصاف في الدخل: أن تعكس حصته من الإيرادات ما يقدمه للمنصة، وأن تُدفع مستحقاته في وقتها وبشفافية.

أدوات لبناء الجمهور: أن يستطيع تقدير متابعيه الأوفياء، وإدارة مساحته، وابتكار عادات تعيد الجمهور إليه.

مراعاة صحته النفسية: الضغط للبقاء على الهواء دائمًا ضغط حقيقي. والمنصة التي تساعد صانع المحتوى على الاستمرار لسنوات، بدل أن يُستنزف خلال أشهر، تكسب معه.

الحماية: صنّاع المحتوى، وخاصة من يبثون مباشرة، قد يتعرضون للمضايقة، وأدوات الإبلاغ والإشراف القوية ضرورة لا رفاهية.

التقنية التي لا يراها المشاهد

خلف كل بث مباشر سلس تقنية معقدة: ضغط الفيديو، وشبكات توزيع المحتوى، والرسائل الفورية، ومعالجة المدفوعات، وكشف الاحتيال، وأنظمة إشراف يجب أن تعمل بسرعة الحديث نفسه. فالتأخير البسيط يكسر الإحساس بالحضور، وانقطاع الخدمة يكسر الثقة.

ويزداد دور الذكاء الاصطناعي في كل ذلك: اقتراح البث المناسب لكل مشاهد، وكشف المحتوى الضار، والترجمة والنصوص المرافقة، ومساعدة صانع المحتوى على فهم جمهوره. وإذا استُخدمت هذه الأدوات بحكمة وسّعت قدرات صنّاع المحتوى، وإذا استُخدمت دون عناية فقد تروّج للمحتوى الخطأ أو تخفي طريقة اتخاذ القرار. ولذلك أصبحت الشفافية في عمل الخوارزميات أمرًا يتوقعه المستخدم، لا تفضّلًا من المنصة.

خلاصة لمن يدير منصة

لمن يؤسس منصة في هذا المجال أو يديرها، الدروس واضحة:

اهتم بالعمق لا بالانتشار وحده. الجمهور الذي يعود كل يوم أهم من جمهور يمر مرة واحدة.

اجعل الدخل مفهومًا. يجب أن يفهم صانع المحتوى دخله، ويتوقعه، ويخطط على أساسه.

ابدأ بالأمان مبكرًا. في البث المباشر تقع المشكلات في اللحظة نفسها، ويجب التعامل معها في اللحظة نفسها.

احترم الثقافة المحلية. فهم المنطقة ميزة تدوم في أسواق تحكمها اللغة والأعراف.

عامل صنّاع المحتوى كشركاء. فلا تنجح المنصة على المدى البعيد إلا إذا نجح من يصنعون حياتها.

من الانتباه إلى مصدر رزق

نقل التحول من المشاهدة إلى المشاركة صنّاعَ المحتوى إلى موقع جديد، ومنح الجمهور خيارات أوسع بكثير. وفي المرحلة المقبلة لن يكون السؤال من يستطيع جذب الانتباه، بل من يستطيع الحفاظ عليه: بدخل عادل، ومجتمع حقيقي، وتقنية تعمل بصمت خلف التجربة. والمنصات التي ترى في صنّاع المحتوى أساس عملها، لا مجرد مزوّدين بالمحتوى، هي الأقدر على رسم مستقبل الترفيه الرقمي.

مقال رأي وتحليل، لا يتضمن مقابلات ولا ينقل أخبارًا أو إعلانات.