أغلب المنتجات تُصنع لمستخدم، أما المنصة فتُصنع لعلاقة بين طرفين أو أكثر. الفرق سهل في الكلام وصعب في التطبيق، وهو يفسّر لماذا تتصرف شركات رقمية كثيرة تسمّي نفسها منصات كأنها منتجات عادية، ولماذا تغيّر القلة التي تصبح منصات حقيقية قطاعات كاملة.
قيمة المنصة لا تأتي مما تفعله بقدر ما تأتي ممن تجمعهم: صانع المحتوى وجمهوره، والبائع والمشتري، والسائق والراكب، والمريض والطبيب، والطالب والمعلم. وكل مشارك جديد قد يجعلها أنفع لبقية المشاركين. لكن العكس صحيح أيضًا؛ فالمنصة التي تخسر ثقة أحد الأطراف قد تنهار بسرعة عند الطرف الآخر.
المنصة سوق لها قواعد
أفضل طريقة للتفكير في المنصة أن نراها سوقًا صغيرة. فيها أطراف لكل منهم مصلحته، وفيها شيء يتبادله الناس، كالمال أو الانتباه أو السمعة، وفيها قواعد تحدد من يكسب وكيف. والشركة التي تدير المنصة هي في الوقت نفسه منظِّمة السوق وحَكَمها.
وبهذه النظرة تتضح قرارات تبدو للوهلة الأولى تقنية بحتة. فترتيب المحتوى في الصفحة الرئيسية قرار اقتصادي، لأنه يحدد من يحظى بالانتباه، وبالتالي من يكسب. وتحديد الرسوم يحدد من يجد المنصة مجدية. وطريقة حل الخلافات تحدد هل يشعر الناس بالأمان حين يتعاملون مع غرباء.
والمؤسس الذي يعامل هذه المسائل كتفاصيل صغيرة في المنتج يكتشف عواقبها متأخرًا. أما من يتعامل معها منذ البداية بوصفها قواعد للحكم، فيبني منصة أكثر استقرارًا وأصعب على المنافسين.
مشكلة البداية: من يأتي أولًا؟
تواجه كل منصة المعضلة نفسها في بدايتها: المشتري لا يأتي دون بائع، والبائع لا يأتي دون مشترٍ. والجمهور يبحث عن صنّاع محتوى، وصنّاع المحتوى يبحثون عن جمهور. وفي هذه المرحلة تحديدًا تفشل منصات واعدة كثيرة دون أن يلاحظ أحد.
والمنصات التي تتجاوز هذه المرحلة تشترك عادة في أمور قليلة. فهي تبدأ بمجتمع صغير ومتقارب، كمدينة واحدة أو فئة واحدة أو شريحة ثقافية واحدة، بدلًا من جمهور واسع ومتفرق. وكثيرًا ما تدعم الطرف الأصعب استقطابًا في البداية. وتحرص على أن تكون مفيدة لطرف واحد على الأقل قبل أن تكبر الشبكة، حتى يجد المستخدم سببًا للبقاء.
وفي العالم العربي، لا يتعلق التقارب بالجغرافيا وحدها، بل باللغة والثقافة أيضًا. فالمنصة التي تفهم لهجة جمهورها وروح الدعابة لديه وعاداته في الدفع وأعرافه الاجتماعية تصل إلى حجم مؤثر أسرع بكثير من منصة صُممت للجميع، فلم تناسب أحدًا.
الثقة جزء من البنية التحتية
يتعامل الناس على المنصات مع أشخاص لا يعرفونهم، ولذلك تحتاج كل منصة ناجحة إلى أدوات تبني الثقة: التحقق من الهوية، والتقييمات، والإشراف على المحتوى، والدفع الآمن، وحل الخلافات، وقواعد واضحة يرى الناس أنها تُطبَّق.
هذه الأدوات لا يلاحظها أحد حين تعمل، لكن غيابها مدمّر. فالسوق الإلكترونية التي ينشط فيها المحتالون، أو المنصة الاجتماعية التي تنتشر فيها الإساءة، أو الخدمة المالية ضعيفة الحماية، لا تخسر مستخدميها فقط، بل تخسر فرصة استعادتهم. فالثقة تُبنى ببطء وتضيع بسرعة.
ولهذا يجب أن يُعامل الإنفاق على الأمان والثقة كجزء من البنية التحتية، تمامًا مثل الخوادم والبرمجيات. فهو يحتاج إلى فريق متخصص وسياسات واضحة وتحسين دائم. ويحتاج أيضًا إلى فهم ثقافي؛ فما يعدّه مجتمع مسيئًا قد لا يراه مجتمع آخر كذلك، والقواعد العالمية التي تُطبق دون تقدير محلي قد تُبعد المستخدمين الذين تريد المنصة كسبهم.
بنية تقنية تتحمل النمو والتغيير
البنية التقنية للمنصة مطالبة بأمرين متعارضين: أن تكون مستقرة بما يكفي لتحمّل أعداد كبيرة من التفاعلات في الوقت نفسه، ومرنة بما يكفي لتتغير كلما تعلمت المنصة شيئًا جديدًا عن مستخدميها.
وهناك مبادئ تساعد على ذلك. فصل الخدمات الأساسية، كالهوية والمدفوعات والرسائل والمحتوى، يسمح بتطوير كل منها وتوسيعه على حدة. والمراقبة المستمرة تكشف المشكلات قبل أن يلاحظها المستخدم. ومعاملة حماية البيانات كشرط في التصميم، لا كمهمة قانونية لاحقة، تقلل المخاطر والعمل الإضافي في المستقبل. والتصميم بحيث يتراجع الأداء تدريجيًا عند الأعطال يضمن أن المنصة تتأثر ولا تنهار حين يتعطل جزء منها، وهذا سيحدث حتمًا.
وفي منصات الوقت الفعلي، كالبث المباشر والتداول، يضاف شرط آخر هو سرعة الاستجابة. فحين يجري التفاعل في اللحظة نفسها، لا يكون التأخير مجرد إزعاج، بل عطلًا في المنتج نفسه.
الانتشار لا يضمن البقاء
من السهل أن نظن أن المنصة التي جمعت عددًا كبيرًا من المستخدمين ضمنت مستقبلها. لكن التجربة تقول غير ذلك. فالمستخدمون ليسوا مقيدين؛ صنّاع المحتوى ينتقلون إلى حيث الجمهور، والجمهور ينتقل إلى حيث صنّاع المحتوى، وكلاهما ينتقل حين يجد تجربة أفضل.
والمنصة تحافظ على مستخدميها بجودة التجربة، وعدالة توزيع الدخل، وثبات الثقة. والمنصات التي تبقى هي التي سيختارها مستخدموها من جديد حتى لو كان الانتقال إلى غيرها سهلًا.
أسئلة قبل التوسع
قبل التوسع، يستحق كل سؤال من الأسئلة التالية وقفة:
- ما التفاعل الأهم في منصتك؟ لكل منصة تفاعل واحد هو جوهرها: بث يُشاهَد، أو صفقة تُنفَّذ، أو درس يكتمل. صمّم كل شيء ليكون هذا التفاعل ممتازًا.
- هل بدأت بنطاق صغير ومتقارب؟ الاتساع نتيجة للعمق، وليس بديلًا عنه.
- هل قواعدك مكتوبة ومعلنة؟ اكتب قواعد السوق، واشرحها للمستخدمين، وطبّقها على الجميع بالطريقة نفسها.
- هل استثمرت في الثقة مبكرًا؟ الإشراف والأمان وحل الخلافات أقل كلفة حين تُبنى من البداية مما لو أضيفت بعد أزمة.
- هل تراعي السياق المحلي؟ في منطقة متنوعة، الفهم الثقافي ميزة تنافسية، وليس مجرد ترجمة للواجهة.
- هل تقيس صحة المنصة أم نموها فقط؟ نسبة من يبقون، ودخل المشاركين، وعدد الشكاوى، وتكرار الاستخدام، أصدق في الدلالة على المستقبل من عدد المسجلين.
منصات تبقى
أصبح إطلاق منتج رقمي اليوم أسهل من أي وقت مضى، لكن بناء منصة تبقى أصبح أصعب. والفرق أن المنصة منظومة حية من العلاقات: سوق لها قواعد، ومجتمع له أعراف، وبنية تقنية عليها أن تكسب ثقة الناس كل يوم. ومن يبني المنصات بهذه الجدية لا يكتب برمجيات فقط، بل يبني أسواق الاقتصاد الرقمي والأماكن التي يلتقي فيها الناس.
مقال رأي وتحليل، لا يتضمن مقابلات ولا ينقل أخبارًا أو إعلانات.
