انتقل إلى المحتوى
مقال 01 · ريادة الأعمال

من تطوير البرمجيات إلى تأسيس الشركات

عادات المهندس، كتقسيم المشكلة واختبار الفرضيات واحترام الدليل، من أنفع ما يحمله معه إلى عالم الأعمال.

أحمد عثامنة5 دقائق للقراءة

يُقال كثيرًا عن المؤسس القادم من عالم البرمجة إنه يتقن البناء ويتعثر في البيع، وإن عليه أن يتخلى عن عقلية المهندس قبل أن يقود شركة. في هذا الكلام جانب من الصحة، لكنه يغفل أمرًا مهمًا: العادات التي تصنع مطوّرًا جيدًا، مثل تقسيم المشكلة الكبيرة إلى أجزاء، واختبار الفرضيات، وتقديم الدليل على الحماس، ليست عائقًا أمام ريادة الأعمال. بل هي، إذا طُبّقت في مكانها الصحيح، من أمتن أسسها.

ومسيرة أحمد عثامنة مثال مناسب لاختبار هذه الفكرة. فقد بدأت بدراسة تقنية المعلومات، ثم سنوات في تطوير البرمجيات والاستشارات التقنية، ثم دراسة الأعمال في أكسفورد، فالعمل في التسويق الرقمي لدى منصة عالمية، وصولًا إلى مشاريع في البث المباشر والمعارض والذكاء الاصطناعي والأصول الرقمية. لا شيء غريب في كل خطوة على حدة، لكن اللافت أن كل خطوة غيّرت معنى ما قبلها.

ما يرثه المؤسس من المهندس

البرمجة تعلّم صاحبها الصدق مع نفسه. فالبرنامج إما أن يعمل أو لا يعمل، والنظام إما أن يتحمل الضغط أو يتعطل أمام مستخدميه. ويتعلم المطوّر مبكرًا أن الثقة بالنفس ليست دليلًا، وأن أصعب العمل يقع بين تصميم يبدو مقنعًا ومنتج يعمل فعلًا.

وثلاث عادات من هذا العالم تفيد المؤسس بشكل خاص. الأولى تقسيم المشكلة: أن يحوّل الهدف الكبير الغامض إلى مشكلات أصغر يمكن فهمها وحلها. فالشركة في النهاية نظام من العملاء والحوافز والعمليات والتقنية والمال، ومشكلاتها تُحل بالتحليل الهادئ نفسه.

والثانية التحسين المستمر. نادرًا ما يتوقع المهندس أن ينجح من المحاولة الأولى؛ فهو يبني ثم يختبر ثم يراقب ثم يحسّن. والمؤسس الذي ينقل هذه العادة إلى قراراته أقل تعلقًا بخطته، وأسرع في الانتباه حين تقول السوق شيئًا مختلفًا.

والثالثة التفكير في احتمالات الفشل. المهندس الجيد لا يسأل فقط كيف يعمل النظام، بل كيف يمكن أن يتعطل. وفي الأعمال يتحول هذا السؤال إلى نظرة واقعية إلى المخاطر القانونية والتشغيلية ومخاطر السمعة، وهي نظرة تغيب كثيرًا عن ريادة الأعمال الأكثر اندفاعًا.

ما لا تعلّمه الهندسة

لكن هذه العادات وحدها لا تكفي. فالتدريب التقني يتعامل مع المتطلبات على أنها معروفة مسبقًا، بينما ريادة الأعمال تبدأ باكتشافها: ماذا يحتاج الناس فعلًا؟ ولماذا يدفعون؟ وما الذي يعيدهم مرة أخرى؟

وهنا تظهر قيمة الخبرة خارج الهندسة. فالتسويق الرقمي، مثلًا، هو في جوهره فهم للجمهور: كيف يصل إلى المحتوى، وما الذي يلفت انتباهه، وكيف تؤثر ثقافته ولغته في ما يعجبه. وبالنسبة إلى شخص تعوّد التفكير في الأنظمة، هذا درس في عوامل لا تُكتب في أي مواصفات تقنية.

ثم تضيف دراسة الأعمال لغة أخرى: لغة التمويل وبناء المؤسسات والمنافسة. شهادة الماجستير في إدارة الأعمال لا تصنع رائد أعمال، لكنها تعطي أدوات للتفكير في أسئلة نادرًا ما تُطرح على المهندس: كيف تُقدَّر قيمة فرصة ما؟ كيف تُبنى المؤسسة؟ وكيف نفكر في المنافسة على مدى سنوات، لا على مدى إصدار برمجي واحد؟

الاستشارات: مدرسة قبل التأسيس

بين الهندسة وتأسيس الشركات مرحلة لا تأخذ حقها من الاهتمام، هي الاستشارات. فالمستشار التقني يُستدعى في اللحظات الحساسة: حين يجب أن يتوسع نظام، أو تُحدَّث خدمة، أو تُبنى منصة تحت رقابة دقيقة. ويرى مؤسسات كثيرة من الداخل في وقت قصير، فيتعلم أن يقرأ ظروف المؤسسة بالعناية نفسها التي يقرأ بها بنيتها التقنية.

والعمل في منصات خدمات رقمية كبيرة يعلّم دروسًا يصعب تعلمها في مكان آخر. فالموثوقية تصبح التزامًا أخلاقيًا لا رقمًا في تقرير، والتنسيق بين فرق كثيرة يصبح التحدي الأكبر. ويكتشف المستشار أن أفضل حل تقني ليس دائمًا الحل الذي تستطيع المؤسسة تطبيقه، وهو درس سيواجهه كل مؤسس حين يتفاوض مع شركاء أو جهات تنظيمية أو عملاء كبار.

لحظة التأسيس

يصل كثيرون ممن يملكون هذه الخلفية إلى سؤال حاسم: هل أواصل بناء أنظمة يملكها غيري وتقديم المشورة فيها، أم أبدأ مشروعي الخاص؟ ونادرًا ما يتعلق الجواب بالمهارة التقنية، بل بالاستعداد لنوع آخر من المسؤولية: مسؤولية الرواتب، والقرارات الكبرى، وعواقب لا يمكن تحويلها إلى شخص آخر.

وتأسيس منصة للبث المباشر، كما فعل أحمد حين أسّس YouLive عام 2019، يوضح كيف تجتمع المراحل السابقة. فمنصة البث المباشر صعبة تقنيًا، وتحتاج إلى حس ثقافي، وتقوم على توازن اقتصادي دقيق. إنها تحتاج إلى هندسة تعمل في الوقت الفعلي، وإلى فهم سلوك الجمهور وصنّاع المحتوى، وإلى نموذج عمل ينصف الجميع. ولا تكفي خبرة واحدة من الخبرات السابقة، لكنها مجتمعة تشكّل أساسًا معقولًا.

من شركة واحدة إلى عدة مشاريع

في المراحل اللاحقة تتسع المسيرة أكثر مما تتعمق في اتجاه واحد. فامتلاك مكان للمعارض، ومشروعان قائمان في الرعاية الصحية والتعليم، ومنصة تداول قيد التطوير، قد تبدو اهتمامات متباعدة. لكنها، بعين المهندس، تشترك في بنية واحدة: كل منها نظام يجمع أطرافًا تحتاج إلى أن تجد بعضها، وأن تثق ببعضها، وأن تتعامل فيما بينها.

وهذا الخيط المشترك مهم لأنه يحدد طريقة الحكم على كل مشروع. والأسئلة تبقى نفسها: هل المشكلة حقيقية؟ هل يمكن بناء النظام بالمستوى المطلوب؟ من يتحمل المخاطر، وهل هذا عادل؟ وهل نميّز بدقة بين ما هو قائم اليوم وما لا يزال خطة؟

خمس عادات تستحق أن تأخذها معك

للمهندسين الذين يفكرون في طريق مشابه، هذه أهم العادات في الغالب:

  • اعتبر عاداتك التقنية رصيدًا لا عبئًا. فتقسيم المشكلات والتحسين المستمر واحترام الدليل عملة نادرة في أسواق تكافئ القصص الجذابة.
  • ابحث عن الخبرة التي لا تعطيك إياها الهندسة. فالعمل في التسويق أو المبيعات أو العمليات أو الاستشارات يعلّمك العوامل الإنسانية والمؤسسية التي تحدد هل ستنجح التقنية.
  • لا تستخف بسنوات الاستشارات. فرؤية مؤسسات كثيرة من الداخل تعلّمك بسرعة كيف تُتخذ القرارات فعلًا.
  • كن دقيقًا في وصف مشاريعك. فمصداقية المؤسس تقوم على التمييز الواضح بين ما يعمل، وما هو قيد التطوير، وما لا يزال فكرة.
  • اختر مشكلات يكون فيها مزيج مهاراتك نادرًا. فأقوى موقع للمؤسس التقني غالبًا ما يكون حيث تلتقي تخصصات قلّما تلتقي.

الهندسة لا تُترك بل تتسع

يوصف الانتقال من البرمجة إلى ريادة الأعمال أحيانًا بأنه ترك للهندسة. والأدق أن الهندسة تتسع: من أنظمة الشيفرة إلى أنظمة البشر والحوافز والمؤسسات. والمؤسس الذي ينجح في هذا الانتقال لا يتخلى عن انضباط المطوّر، بل يطبّقه على مشكلات أكبر، ويضيف إليه فهمًا للناس والأسواق لا تستطيع الشيفرة وحدها أن تمنحه.

مقال رأي وتحليل، لا يتضمن مقابلات ولا ينقل أخبارًا أو إعلانات.