انتقل إلى المحتوى
مقال 09 · ريادة الأعمال

القيادة في شركات التكنولوجيا: بين السرعة والصبر

التكنولوجيا تكافئ السرعة، وبناء شركة متينة يحتاج إلى صبر، والقيادة هي الجمع بين الأمرين.

أحمد عثامنة5 دقائق للقراءة

التكنولوجيا تكافئ السرعة. فالمنتجات تُطلق وتُجرَّب وتُعدَّل في أسابيع، والأسواق تتغير في أشهر، ومجالات كاملة تظهر وتختفي في سنوات قليلة. أما بناء شركة متينة فيكافئ الصبر. فالثقة، وقدرة المؤسسة، والسمعة، والعلاقات الراسخة، كلها تتراكم ببطء، وتكبر آثارها على مدى عقود.

والقيادة في شركات التكنولوجيا هي إلى حد كبير القدرة على الجمع بين هذين الإيقاعين: أن تتحرك بسرعة تكفي للمنافسة، وأن تبني في الوقت نفسه ما سيبقى مهمًا بعد أن ينتهي الحماس الحالي. وهو توازن صعب، تخسره شركات كثيرة في هذا الاتجاه أو ذاك.

ضغط المدى القصير

الضغوط التي تدفع شركات التكنولوجيا إلى التفكير في المدى القصير قوية. فأرقام النمو ظاهرة وفورية، وجولات التمويل وإطلاق المنتجات واهتمام الإعلام كلها تكافئ الحركة السريعة. والمنافسون يتحركون بسرعة، والتردد يبدو كأنه خسارة.

وهذه الضغوط ليست خاطئة في ذاتها؛ فالسرعة مهمة، وبعض الفرص لا تنتظر. لكن حين تصبح هي التي تحكم كل قرار، تقع الشركات في أخطاء متوقعة: تؤجل إصلاح عيوب تقنية تتراكم وتبطئ العمل لاحقًا، وتقصّر في الأمن والموثوقية حتى تفرض الأزمة نفسها، وتسعى إلى نمو لا يتحول إلى أرباح حقيقية، وتعد بأكثر مما تستطيع.

وكل خطأ من هذه الأخطاء يضعف الأساس الذي تقوم عليه الشركة على المدى البعيد.

ما الذي يجعل الشركة متينة؟

تقوم الشركة التقنية المتينة على عدة أسس.

أهمها على الأرجح الثقة. فالمستخدم يأتمن المنصة على بياناته أو أمواله أو وقته، والشريك يثق بأن الشركة ستفي بالتزاماتها، والجهة الرقابية تثق بأن القواعد ستُحترم. والثقة تُبنى في سنوات، وقد تضيع في حادثة واحدة.

ثم الخبرة المتراكمة، أي قدرة المؤسسة على حل المشكلات الصعبة: فرق ماهرة، وأنظمة متينة، وإجراءات فعالة، ومعرفة تبقى داخل المؤسسة. وهذه الخبرة تتراكم؛ فكل مشكلة تُحل جيدًا تجعل التي بعدها أسهل.

ثم السمعة، وهي تطابق ما تقوله الشركة مع ما تفعله. وفي أسواق مليئة بالادعاءات، تصبح السمعة القائمة على الدقة والموثوقية ميزة كبيرة.

ثم العلاقات مع العملاء والشركاء والموظفين والمجتمع. فهي تسند الشركة في الأوقات الصعبة، وتفتح لها الأبواب في الأوقات الجيدة.

وأخيرًا نموذج عمل يربح منه الجميع ويغطي تكاليفه، فيسمح للشركة بأن تستمر في الاستثمار في كل ما سبق.

دور القائد

القائد هو الذي يحدد التوازن بين السرعة والمتانة، من خلال سلسلة من القرارات.

فهو يضع المعايير. وما تعتبره الشركة مقبولًا، في جودة البرمجيات أو الأمن أو معاملة العملاء أو التواصل، يتحدد في الغالب بما يتساهل فيه قادتها وما يكافئون عليه.

ويوزع الموارد. فالإنفاق على البنية التحتية والأمن والتدريب والإدارة الرشيدة نادرًا ما يعطي نتائج سريعة ظاهرة. والقائد الذي يحمي هذا الإنفاق حين يشتد الضغط هو الذي يبني شركة تدوم.

ويقرر ما لن يفعله. فرفض فرصة مغرية قد تشتت الشركة عن هدفها، أو تخفض معاييرها، أو ترهقها بأكثر من طاقتها، من أهم قرارات القائد.

ويتحدث بصدق. فالقائد الذي يصف تقدم شركته بدقة، ويفرّق بين ما أنجزته وما تطمح إليه، يبني مصداقية تخدم الشركة سنوات طويلة.

ويطوّر الناس. فالشركات التي تبقى هي التي لا تتوقف على شخص واحد. والقائد الذي يبني فرقًا قوية ويعدّ قادة المستقبل يبني مؤسسة، لا مشروعًا شخصيًا.

التقنية وسيلة لا غاية

من الأخطاء المتكررة في القيادة التقنية أن تصبح التقنية هدفًا بحد ذاتها. فتعتمد الشركة أحدث الأدوات والموضات لأنها جديدة، لا لأنها تحل مشكلة حقيقية.

والشركة تنجح على المدى البعيد حين تستخدم التقنية لتلبية حاجات حقيقية: أن يتواصل الناس، ويتعلموا، ويحافظوا على صحتهم، ويديروا أعمالهم، ويتعاملوا في الأسواق بشكل أفضل. والقائد الذي يبقي هذه الحاجات أمام عينيه يختار التقنية بشكل أفضل، لأنه يحكم على الأداة بما تقدمه لا بمدى جدتها.

والذكاء الاصطناعي مثال حاضر. فقدراته كبيرة، واستخداماته المحتملة كثيرة. لكن الشركات التي ستستفيد منه فعلًا هي التي تستخدمه بعناية في مشكلات محددة، مع رقابة مناسبة وتقييم صادق، لا تلك التي تعلن عنه بأعلى صوت.

الإدارة الرشيدة والنزاهة

كلما كبرت الشركة التقنية، زادت أهمية الإدارة الرشيدة. فوضوح طريقة اتخاذ القرار، والرقابة المالية، وإدارة المخاطر، وسياسات حماية البيانات، والالتزامات الأخلاقية، كلها تضع إطارًا يسمح بالتحرك السريع دون خطر.

ويرى بعضهم في هذه القواعد قيدًا على روح المبادرة. لكن الإدارة الرشيدة في الواقع تساعد على النمو، لأنها تمنح الشركاء والمستثمرين والجهات الرقابية والمستخدمين الثقة اللازمة للتعامل مع الشركة. وكثير من أسوأ الإخفاقات في عالم التكنولوجيا كان سببها سوء الإدارة لا ضعف التقنية.

والنزاهة، أي أن تتفق الأفعال مع القيم المعلنة، هي الجانب الشخصي من هذه الإدارة. والقائد الذي يلتزم بها يبني ثقافة يتحدث فيها الناس عن المشكلات مبكرًا، ويعترفون بأخطائهم، ويرفضون الطرق المختصرة.

ستة التزامات عملية

في التطبيق، يتلخص بناء شركة متينة في التزامات قليلة:

  • احمِ الإنفاق الأساسي. خصص ميزانية ثابتة للأمن والموثوقية والبنية التحتية، ولا تقتطع منها.
  • قِس المتانة لا النمو وحده. تابع بقاء العملاء ورضاهم وموثوقية الأنظمة وتطور الموظفين، إلى جانب التوسع.
  • تحدث بدقة. فرّق بوضوح بين ما هو قائم، وما هو قيد التنفيذ، وما لا يزال خطة.
  • ابنِ قواعد الإدارة مبكرًا. ضع طريقة واضحة لاتخاذ القرار والرقابة قبل أن يفرضها حجم الشركة.
  • استثمر في الناس. طوّر قادة قادرين على قيادة الشركة بعد أي شخص بعينه.
  • ابقَ قريبًا من الهدف. احكم على كل قرار تقني بمدى خدمته لحاجة حقيقية.

السرعة والصبر معًا

ستبقى التكنولوجيا تكافئ السرعة، ومن يتجاهل ذلك سيتأخر. لكن السرعة دون أساس متين تنتج شركات هشة تتبخر قيمتها مع أول تغير في السوق. والقادة الذين يبنون شركات تبقى هم الذين يتحركون بسرعة ويبنون بصبر، فيستثمرون في الثقة والخبرة والسمعة والعلاقات حتى حين تكون النتيجة بعيدة. فالتقنية في النهاية أداة، أما الشركة المتينة فهي ما تصنعه بهذه الأداة.

مقال رأي وتحليل، لا يتضمن مقابلات ولا ينقل أخبارًا أو إعلانات.