انتقل إلى المحتوى
مقال 08 · ريادة الأعمال

ريادة الأعمال في أكثر من قطاع

متى يكون العمل في قطاعات متعددة نقطة قوة للمؤسس، وما الانضباط الذي يحتاجه؟

أحمد عثامنة5 دقائق للقراءة

النصيحة الشائعة في عالم الشركات الناشئة هي التركيز: اختر سوقًا واحدة، ومنتجًا واحدًا، ومشكلة واحدة، وكرّس لها كل جهدك. وهي نصيحة صحيحة لكثير من المشاريع. لكن بعض أنجح المسيرات الريادية، ولا سيما في الأسواق الناشئة، تسير في اتجاه آخر: عدة مشاريع في قطاعات مختلفة، لا يجمعها منتج واحد، بل خبرات وعلاقات وقناعات مشتركة.

وكثيرًا ما يُساء فهم هذا النموذج. فمن ينتقده يراه تشتتًا، ومن يعجب به يراه تنوعًا في القدرات. والحقيقة بين هذا وذاك. فالعمل في أكثر من قطاع قد يكون مصدر قوة ومعرفة، لكن بشرط أن يحكمه انضباط لا تحتاجه في الغالب الشركات التي تعمل في مجال واحد.

لماذا يعمل بعض المؤسسين في أكثر من قطاع؟

لهذا أسباب عدة.

ففي الأسواق التي لا يزال فيها المال والكفاءات والبنية التحتية في طور النمو، تكون الفرص في الغالب واسعة أكثر مما هي عميقة. والمؤسس الذي يملك الخبرة والعلاقات قد يجد فرصًا جيدة في أكثر من قطاع في الوقت نفسه، في الخدمات الرقمية أو العقارات والأصول المادية أو التعليم أو الصحة أو التمويل، وكل منها ينقصه شيء.

والخبرة تنتقل من مجال إلى آخر. فخبرة بناء المنصات الرقمية، مثلًا، تفيد في البث المباشر والتعليم والصحة والتداول، لأن كلًّا منها يحتاج إلى جمع أطراف مختلفة، وبناء الثقة بينها، وإدارة البيانات، وتشغيل تقنية يُعتمد عليها. ومن يفهم هذه الأساسيات يستطيع أن يرى الفرصة نفسها في سياقات مختلفة.

والتنويع يحمي من الصدمات. فالقطاعات المختلفة تمر بدورات مختلفة، والمؤسس الذي يجمع، مثلًا، منصة رقمية ومكانًا للمعارض أقل تأثرًا بأزمة تصيب سوقًا واحدة.

وعند بعض المؤسسين يعكس تعدد المشاريع رغبة في الإسهام في أكثر من مجال يرون فيه حاجة، ومن ذلك العمل غير الربحي.

الرقمي والحضوري

من أكثر التجارب لفتًا للنظر أن يجمع المؤسس بين مشاريع رقمية وأصل مادي، كأن يدير منصات تقنية ويملك في الوقت نفسه مكانًا للمعارض والفعاليات.

للوهلة الأولى لا يبدو أن بين المشروعين شيئًا مشتركًا. لكنهما في العمق متشابهان: كلاهما مكان يلتقي فيه الناس ليتبادلوا شيئًا. المنصة الرقمية تجمعهم عبر الإنترنت، والمعرض يجمعهم وجهًا لوجه. وكلاهما يعتمد على الموقع: الأول في الشبكة، والثاني على الخريطة. وكلاهما يربح حين يجعل اللقاء أسهل وأقل كلفة.

والأصل المادي يعلّم انضباطًا مختلفًا. فهو يحتاج إلى صيانة، وعلاقات محلية، وصبر. وتزداد قيمته بالسمعة عبر السنين، لا بالتحديثات السريعة. وللمؤسس الذي اعتاد سرعة العالم الرقمي، قد تكون إدارة مكان حضوري توازنًا مفيدًا، وتذكيرًا بأن بعض الأشياء لا يمكن استعجالها.

ويتقارب العالمان يومًا بعد يوم. فالفعاليات تُكتشف وتُحجز عبر الإنترنت، واللقاءات الحضورية تستمر في مجتمعات رقمية. ومن يفهم العالمين معًا يستطيع أن يصمم تجارب تجمع بينهما.

مخاطر العمل في قطاعات كثيرة

مخاطر هذا النموذج حقيقية، ولا يجوز التقليل منها.

فالوقت والانتباه محدودان. وكل مشروع يحتاج إلى وقت من قيادته، والمؤسس الموزع على مشاريع كثيرة قد لا يعطي أيًّا منها ما يكفيه.

والخبرة لا تنتقل كاملة. فلكل من الصحة والتعليم والتمويل أنظمته وثقافته ومخاطره، ومن يظن أن خبرته في المنصات تكفيه قد يقع في أخطاء مكلفة.

والمال قد يذهب إلى المكان الخطأ. فإذا غابت المعايير الواضحة، قد تذهب الموارد إلى الفكرة الأكثر إثارة لا إلى الفكرة الأكثر جدوى.

والمصداقية قد تتأثر. فقد يشك الشركاء في التزام المؤسس إذا بدا كثير التنقل بين المشاريع، أو إذا قُدّمت مشاريع في بدايتها على أنها أنضج مما هي عليه.

كيف ينجح المؤسس في إدارة عدة مشاريع؟

المؤسسون الذين ينجحون في إدارة عدة مشاريع يشتركون عادة في ممارسات معينة.

يحددون خيطًا جامعًا. لا يشترط أن تكون المشاريع في قطاع واحد، لكن يجب أن يجمعها منطق واحد: خبرة مشتركة، أو منطقة واحدة، أو نوع واحد من المشكلات، أو قيم واحدة.

يبنون فريقًا قويًا لكل مشروع. فلا يستطيع المؤسس أن يدير كل شيء بنفسه. يحتاج كل مشروع إلى قيادة متخصصة في مجالها، ويتحول دور المؤسس إلى التوجيه، وتوزيع المال، وبناء الشراكات، والإشراف.

يرتبون أولوياتهم بعناية. فليس على كل المشاريع أن تعمل بأقصى طاقتها في الوقت نفسه. يمكن أن تتولى إدارة كفؤة تشغيل المشاريع المستقرة، بينما تُبنى المشاريع الجديدة بالسرعة المناسبة.

يصفون كل مشروع بدقة. فالتمييز الواضح بين الشركات القائمة، والمشاريع قيد التطوير، والأفكار التي لا تزال قيد الدراسة، يحمي مصداقية المؤسس ويحترم من يتعامل معه.

يستعينون بالمختصين. ففي القطاعات الخاضعة للرقابة، كالصحة والأصول الرقمية، لا غنى عن خبراء في الطب والالتزام بالأنظمة والأمن.

يطبقون المعايير نفسها على الجميع. فالإدارة الرشيدة والانضباط المالي والالتزام الأخلاقي يجب أن تكون واحدة في كل المشاريع، أيًّا كان القطاع.

تقليد قديم بأدوات جديدة

لعبت الشركات العاملة في أكثر من قطاع دورًا كبيرًا في اقتصادات المنطقة. فقد بنت الشركات العائلية والمجموعات القابضة أعمالًا في التجارة والعقارات والصناعة والخدمات.

ويضيف الجيل الجديد من رواد الأعمال إلى هذا التقليد خبرة تقنية، فيستخدم الأدوات الرقمية في قطاعات مختلفة، ويجمع بين المشاريع التجارية والعمل المجتمعي. وإذا أُحسن ذلك، يمكنه أن يسرّع نمو قطاعات تحتاج إلى خدمات أفضل، وأن يخلق منظومة تدعم فيها المشاريع بعضها بعضًا.

التنوع قرار مدروس

العمل في أكثر من قطاع ليس أفضل بالضرورة، ولا مغامرة بالضرورة. إنه نموذج مختلف، له نقاط قوته ومخاطره. ونقاط قوته حقيقية: الصمود أمام الأزمات، وانتقال الخبرة، والقدرة على تلبية أكثر من حاجة. لكنها لا تتحقق إلا لمن يدير مشاريعه بانضباط، ويبني فرقًا قوية، ويبقى صادقًا في وصف كل مشروع كما هو. عندها لا يكون التنوع تشتتًا، بل قرارًا مدروسًا.

مقال رأي وتحليل، لا يتضمن مقابلات ولا ينقل أخبارًا أو إعلانات.