مرّ تاريخ الأصول الرقمية بموجات متكررة من الحماس ثم التصحيح. فترات ترتفع فيها الأسعار ويتسارع فيها ظهور المشاريع الجديدة، تعقبها إخفاقات وخسائر وتدقيق من الجهات الرقابية. لكن وسط هذه الموجات تكوّن فهم أوضح لما تحتاجه هذه الأسواق كي تخدم الناس بأمان وعلى نطاق واسع.
ولن تتميز منصات الأصول الرقمية في المرحلة المقبلة بعملات جديدة أو منتجات تداول مبتكرة، بل بأمور أساسية أقل بريقًا: حفظ أموال العملاء، والأمن، والشفافية، والالتزام بالأنظمة، وسهولة الاستخدام. فهذه هي التي تحدد هل يستطيع الشخص العادي أن يدخل هذه الأسواق وهو مطمئن.
ماذا تعلّمنا من الجيل الأول؟
شهدت السنوات الأولى لمنصات تداول الأصول الرقمية نموًا كبيرًا وإخفاقات كبيرة. فبعض المنصات تعرض للاختراق، وبعضها أساء إدارة أموال العملاء أو استخدمها في غير موضعها، وبعضها انهار حين تغيرت ظروف السوق. وكانت لهذه الإخفاقات أسباب مشتركة: خلط بين أموال العملاء وأموال الشركة، وضعف في الحماية، وغموض في طريقة العمل، وإدارة لا تتناسب مع حجم المسؤولية.
والدرس واضح: منصة التداول ليست منتجًا تقنيًا فقط، بل هي مؤتمنة على أموال الآخرين. وهذا الدور يتطلب الجدية نفسها التي ينتظرها الناس من أي مؤسسة يأتمنونها على أموالهم.
ما الذي تقوم عليه منصة التداول المسؤولة؟
حفظ الأصول هو الأساس. يجب أن يثق المستخدم بأن أصوله محفوظة بأمان وبشكل منفصل عن أموال المنصة، وأنه يستطيع سحبها متى شاء. والأساليب الحديثة تحفظ معظم الأصول في محافظ غير متصلة بالإنترنت، وتُبقي جزءًا محدودًا في محافظ متصلة تخضع لرقابة دقيقة لتلبية عمليات السحب اليومية، وتشترط موافقة أكثر من شخص على أي تحويل كبير، وتطابق الأرصدة بانتظام.
والأمن أوسع من حفظ الأصول. فالمنصات تتعرض لمحاولات اختراق مستمرة تستهدف حسابات المستخدمين والأنظمة والإجراءات الداخلية. ولا غنى عن التحقق القوي من الهوية عند الدخول، ومراقبة أي نشاط غير معتاد، وتطوير البرمجيات بطرق آمنة، واختبارها من جهات مستقلة، والاستعداد للحوادث بخطط مجرّبة.
ونظام التداول نفسه يجب أن يعمل بثبات عندما تضطرب السوق. فأنظمة مطابقة الأوامر ودفاتر الأوامر والتسوية تحتاج إلى استيعاب الارتفاعات المفاجئة في النشاط دون أن تتعطل أو تظلم المستخدمين. والشفافية في الأسعار والرسوم وطريقة التنفيذ تبني الثقة.
وأصبح الالتزام بالأنظمة جزءًا من المنتج. فالتحقق من هوية العملاء، وإجراءات مكافحة غسل الأموال، ومراقبة العمليات، والإبلاغ عند الحاجة، صارت متطلبات متوقعة. وفي دول كثيرة، منها عدة دول في الشرق الأوسط، صدرت أنظمة للأصول الافتراضية أو هي قيد الإعداد، وعلى كل منصة أن تلتزم بقواعد كل سوق تعمل فيها.
وتكتمل الصورة بسهولة الاستخدام. فأسواق الأصول الرقمية قد تكون مربكة وخطرة للمبتدئين. والواجهة الواضحة، وشرح المخاطر والرسوم بلغة بسيطة، والمحتوى التعليمي، كلها تساعد المستخدم على اتخاذ قرار مدروس.
التداول الفوري والتداول بين المستخدمين
هناك نوعان من الأسواق يهمان بشكل خاص المنصات التي تخدم جمهورًا واسعًا.
التداول الفوري، أي شراء الأصول وبيعها مع التسليم المباشر، هو أساس معظم منصات التداول. وجودته تتوقف على السيولة، وعدالة مطابقة الأوامر، ووضوح الأسعار، وموثوقية التسوية.
أما التداول المباشر بين المستخدمين (P2P) فيسمح للأفراد بالتعامل فيما بينهم، وكثيرًا ما يدفعون بوسائل دفع محلية. وفي الدول التي يصعب فيها الوصول إلى الخدمات المصرفية أو تختلف فيها وسائل الدفع، قد يكون لهذا النوع من التداول دور مهم. لكنه يحمل مخاطر خاصة، منها الاحتيال والخلافات بين الطرفين. والأنظمة الجيدة تحمي المتعاملين بحجز المبلغ لدى المنصة حتى تكتمل الصفقة، وبتقييمات للمتعاملين، وبإجراءات واضحة لحل الخلافات، وبمراقبة مستمرة.
الأنظمة والقوانين
انتقلت أنظمة الأصول الرقمية في دول كثيرة من الغموض إلى قواعد أوضح. فقد حددت الجهات الرقابية شروطًا للترخيص، وقواعد لرأس المال وحفظ الأصول، ومعايير لحماية المستهلك، وواجبات لمكافحة غسل الأموال.
وهذا التطور بالنسبة لمن يبني منصة فرصة بقدر ما هو قيد. فالقواعد الواضحة تساوي بين المتنافسين، وتساعد المنصات الجادة على التميز عن تلك التي تتهاون. وأصبح من علامات المشروع الجاد أن يتواصل مع الجهات الرقابية مبكرًا، وأن يبني الالتزام بالأنظمة في تصميم منتجه، وأن يكون صريحًا بشأن وضعه من حيث الترخيص.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن تصف المنصة وضعها بدقة. فالمنصة التي لا تزال قيد التطوير لا ينبغي أن توحي بأنها تعمل، والمنصة غير المرخصة لا ينبغي أن توحي بأنها خاضعة للرقابة. فالدقة في الوصف جزء من الثقة التي يحتاج هذا القطاع إلى استعادتها.
تقنيات تغيّر المشهد
هناك تطورات تقنية تؤثر في مستقبل منصات الأصول الرقمية:
تقنيات حفظ أكثر تطورًا، مثل توزيع مفاتيح المحافظ على أكثر من جهة واستخدام أجهزة أمنية متخصصة، تقلل احتمال أن يؤدي خلل واحد إلى خسارة كبيرة.
وإثبات الاحتياطيات والتدقيق المستقل يتيحان للمنصة أن تثبت أنها تملك فعلًا الأصول المستحقة لعملائها، مع أن فائدتهما تتوقف على طريقة الإثبات ونطاقه.
والمراقبة الفورية والتحليلات، ومنها تقنيات تعلم الآلة، تساعد على كشف الاحتيال والعمليات المشبوهة.
ويتطور الربط بين شبكات البلوك تشين والأنظمة المالية التقليدية، وقد يجعل ذلك الأصول الرقمية أكثر فائدة في المعاملات اليومية.
علامات المنصة الجادة
يمكن الحكم على الفرق التي تعمل في هذا القطاع بعادات قليلة:
- تعامل أموال العملاء كأمانة. تفصلها عن أموالها، وتقلل المخاطر عليها، وتطابق الأرصدة باستمرار.
- تبني الأمن من البداية. وتفترض أن المهاجمين محترفون ولا ييأسون.
- تتواصل مع الجهات الرقابية مبكرًا. وتفهم متطلبات كل سوق قبل الإطلاق، لا بعده.
- تصف وضعها بصدق. فتوضح ما هو قيد التطوير، وما هو مرخص، وما هو متاح فعلًا.
- تصمم للمستخدم المبتدئ. فالوضوح والتوعية من أدوات إدارة المخاطر.
- تستعد للتقلب. فالنظام يجب أن يصمد تحديدًا عندما تكون السوق في أشد اضطرابها.
الأساسيات أولًا
أسواق الأصول الرقمية تنضج. والمنصات التي ستقود المرحلة المقبلة هي التي تفهم أن منصة التداول مؤتمنة على ثقة الناس بقدر ما هي منصة تقنية. فالأمن والشفافية والالتزام بالأنظمة وسهولة الاستخدام ليست عوائق أمام النمو، بل هي شروطه. والمشاريع التي تلتزم بهذه الأساسيات، ولا تطلق خدماتها إلا حين تكون جاهزة فعلًا، هي الأقدر على أن تجعل الأصول الرقمية جزءًا موثوقًا ومتاحًا من النظام المالي.
مقال رأي وتحليل، لا يتضمن مقابلات ولا ينقل أخبارًا أو إعلانات.
